نحن لا نعرض نساءنا المتعلمات كي نثبت لكم أن نساءنا يستحققن الاحترام؛ نحن نعتز بنسائنا اللواتي ربّين المتعلمين، وصنعن الأجيال، وحافظن على الأرض والهوية والكرامة، حتى وإن لم يحملن شهادة واحدة.


أمي حليمة… المرأة البدوية التي لا تحتاج إلى شهادة كي تستحق احترامكم

ما أثار استيائي في التصريحات التي صدرت عن الصحفية أيالا حسون، وما نُسب إلى نيلي اهارون، رئيسة مجلس يروحام، بشأن النساء البدويات، ليس فقط اللغة التي استُخدمت في وصفهن، ولا السخرية من مظهرهن ولباسهن وأعمارهن، وإنما أيضاً الطريقة التي تعامل بها البعض مع هذه التصريحات وكأن الرد عليها يجب أن يكون باستعراض صور النساء البدويات الحاصلات على الدكتوراة والشهادات الأكاديمية، وكأننا نقول لأيالَا حسون: انظري، لقد تعلمنا، وأصبح لدينا طبيبات ومحاضرات وأكاديميات، فأرجوكِ أن تحترمينا!


وهنا أختلف مع هذا المنطق.


لسنا مطالبين بأن نثبت لأحد أننا نستحق الاحترام. ولسنا مضطرين إلى تغيير مظهرنا أو لباسنا أو نمط حياتنا كي نحصل على اعتراف الآخرين بإنسانيتنا وكرامتنا.


أنا أريد أن أتحدث عن النساء اللواتي تشبهن أمي وجدتي. عن المرأة البدوية التي بقيت بلباسها التقليدي، وبغطاء رأسها، وبشاشها وقنعتها، ولم تشعر يوماً أن عليها أن تتخلى عن مظهرها وهويتها كي تكون إنسانة تستحق التقدير.


أريد أن أتحدث عن أمي، المرحومة حليمة الزيادنة أبو فريح.


أمي لم تكن تقرأ ولا تكتب، ولم تحمل شهادة مدرسية أو جامعية، لكنها كانت من أكثر النساء ثقافة وحكمة وثراءً في المعنى الإنساني الذي عرفته.


كانت تحفظ الشعر، وتحفظ الأنساب، وتعرف تاريخ العائلات والقبائل، وتمتلك ذاكرة مدهشة، وتستحضر الأحداث والروايات وكأنها تقرأ كتاباً مفتوحاً أمامها. كانت تحفظ آيات من القرآن، وتعرف كيف تتحدث، ومتى تتحدث، وماذا تقول.


كانت امرأة ذات حكمة واسعة، تعرف أصول التعامل مع الناس، وتفهم في التجارة والاقتصاد، وتعرف قيمة المال والأرض والماشية والعمل.


كانت تملك من الماعز والأغنام والذهب والمال ما يجعلها امرأة مستقلة اقتصادياً، لا تنتظر من أحد أن يعيلها أو يمنحها شيئاً. كانت تنتج وتبيع الحليب واللبن والسمن والزبدة واللحم، وأحياناً تعطي مما تملك للآخرين دون مقابل.


كانت كريمة، معطاءة، عزيزة النفس، وكانت هي التي تعطي.


كانت تكرم الضيف، وتذبح له، وتعرف كيف تستقبله. وكانت تتحدث مع الرجال عندما تقتضي الحاجة، بثقة امرأة تعرف مكانتها وقيمتها، ولا تحتاج إلى إذن من أحد كي تعبّر عن رأيها.


كانت أمي تجلس في البيت، وكنا نشعر بالأمان بوجودها. حولها نجتمع، ومن حديثها نتعلم. كانت تحكي لنا عن التاريخ والناس والأنساب والحياة، وكانت ذاكرتنا العائلية والتاريخية محفوظة في ذاكرتها.


هذه هي المرأة التي أريد أن أتحدث عنها.


هذه هي المرأة التي تشبه النساء اللواتي جرى الاستهزاء بهن.


أمي أنجبت أربعة عشر ابناً وبنتاً، توفي منهم ثلاثة، وبقي أحد عشر. واليوم، امتدت ذريتها من الأبناء والبنات والأحفاد وأبناء الأحفاد إلى ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين، وربما اقتربت من أربعمائة إنسان.


تأملوا هذا الرقم، وتأملوا حجم الحياة التي امتدت من هذه المرأة.


هذه المرأة التي لم تحمل شهادة دكتوراة، ربّت أبناءً وبنات، ومن بين ذريتها أكاديميون وحملة شهادات جامعية، ومنهم من وصل إلى الدكتوراة.


فهل نحتاج اليوم إلى أن نعرض شهادات أبنائها كي نثبت أنها امرأة عظيمة؟


وهل كانت قيمتها في الشهادات التي حصلنا عليها نحن، أم في الحياة التي منحتنا إياها، وفي التربية التي غرستها فينا، وفي القيم التي حملناها عنها؟


أنا أفتخر بأمي وهي ترتدي لباسها البدوي، وأفتخر بشاشها وقنعتها وغطاء رأسها وثوبها التقليدي. هذا اللباس ليس مادة للسخرية، وليس علامة على التخلف أو الجهل. إنه جزء من تراثنا وهويتنا وذاكرتنا، وامتداد لتاريخ نسائنا.


ولا أريد أن أقول لأيالا حسون: انظري، لقد خلعنا لباسنا التقليدي، وارتدينا لباساً حديثاً، وأصبحنا أكاديميات، فهل أصبحتِ الآن راضية عنا؟

لا يا أيالا حسون.


لن نغير لباسنا كي ترضي عنا، ولن نتخلى عن هويتنا كي تمنحينا شهادة حسن سلوك.


نحن نفتخر بالمرأة البدوية التي حصلت على الدكتوراه، ونفتخر أيضاً بالمرأة التي لم تدخل مدرسة، لكنها ربّت أجيالاً من المتعلمين والمثقفين والأكاديميين.


نفتخر بالمرأة التي تعمل في الجامعة، وبالمرأة التي تعمل في أرضها، وبالمرأة التي ترعى أغنامها، وبالمرأة التي تدير بيتها، وبالمرأة التي تقف في الصفوف الأولى دفاعاً عن أرضها وحقوقها وكرامتها.


لا واحدة منهن أقل من الأخرى.


ليس مطلوباً من المرأة البدوية أن تصبح نسخة من المرأة التي تريدونها أنتم حتى تستحق الاحترام.


أما الاعتذار الذي نُشر لاحقاً، فلا أرى أن مجرد الاعتراف بأن هناك أموراً لم تكن معروفة يكفي وحده لمعالجة ما أثارته تلك التصريحات. المطلوب هو إدراك أن السخرية من مظهر النساء ولباسهن وهويتهن ليست مجرد زلة في التعبير، بل تمس كرامة أناس وذاكرة مجتمع بأكمله.


ولأيالا حسون، ولنيلي اهارون، ولكل من ينظر إلى المرأة البدوية من موقع الاستعلاء، أقول:

تلك النساء لسن مادة للسخرية، ولا صوراً من الماضي، ولا نماذج بشرية تنتظر منكم أن تمنحوها الاعتراف.


إنهن أمهاتنا وجداتنا، هن اللواتي ربيننا، وحفظن تاريخنا، وصنعن بيوتنا ومجتمعنا، وحملن معنا أعباء الحياة، وعشن بكرامة وعزة نفس.


أمي حليمة واحدة من هؤلاء النساء.


أرفع لها القبعة، وأرفع القبعة لكل امرأة بدوية تشبهها، سواء كانت تحمل شهادة دكتوراة أو لم تعرف القراءة والكتابة، سواء بقيت في بيتها أو خرجت إلى ميادين العمل والنضال.


رحم الله أمي حليمة، ورحم أمهاتنا وجداتنا، وحفظ نساءنا جميعاً.


هن لسن بحاجة إلى أن ندافع عنهن بإثبات أنهن أصبحن مثل الآخرين؛ بل نحن بحاجة إلى أن نذكّر أنفسنا والعالم بأنهن كنّ، وما زلن، جديرات بالاحترام كما هن.


دمتم بوعي، ودامت كرامة نسائنا وهويتنا.


«هذه أمي حليمة… لم تحمل شهادة دكتوراة، لكنها ربّت أجيالاً من حملة الدكتوراة. ولم تتخلَّ يوماً عن لباسها وهويتها كي تستحق احترام أحد».

عاشت عزيزة النفس أكثر من 90 عاما.