لا يختلف اثنان في أنّ المواطنين العرب في إسرائيل هم مرابطون، والمرابط هو من ثبت في أرضه تحت حكم غيره أيضاً. ويتمثل رباطهم في المطالبة بحقوقهم لحماية بقائهم في هذه البلاد بصفتهم مواطنين، لكي يتمكنوا من الحفاظ على هويتهم الدينية والقومية، المتمثلة في المحافظة على لباسهم التقليدي، ولغتهم الأصلية، وعباداتهم الدينية، وعاداتهم الموروثة، وكذلك تأمين العمل، والكسب، والمسكن؛ لأجل ضمان العيش الكريم، وكل ذلك بما يتيحه لهم القانون وإن كان مجحفاً.

لكن المؤسف هو أن القوانين المعمول بها في البلاد لا تسعفهم في كثير من الأحيان للحصول على حقوقهم، ولا تُطبَّق عليهم كمواطنين متساوين مع غيرهم، لأنها تُسنّ وفق أهواء وأجندات الحكومات التي تُشرّع في عهدها.

من هنا لا يخفى على عاقل أن الحكومة الحالية ليست من الحكومات التي تعتبر العرب في هذه البلاد مواطنين متساوين مع غيرهم، حيث يتجلى ذلك في محاولاتها المتكررة لطمس هويتنا الدينية والقومية: عبر محاربة اللباس التقليدي، والتضييق على أداء الشعائر الدينية، وحظر التحدث بالعربية، ومنع إظهار معالم وجودنا كعرب؛ وذلك عن طريق سنّ القوانين الجائرة كقانون منع الأذان وغيره، وتشجيع المتطرفين أفراداً ومؤسسات على التعرض لمن يحرص على مظاهر وجوده كعربي مسلم أو مسيحي.

ومن هذه المحاولات، على سبيل المثال: التعدي على الرهبان والقساوسة، وطالبات الجامعات المحجبات، والأطباء والممرضات، والعمال، وسائقي الحافلات العرب، بدوافع عنصرية نابعة من الاختلاف في القومية أو الدين أو اللغة.

والأعظم من ذلك كله هو السعي للحد من النمو السكاني الطبيعي لدى العرب بهدف تقليص عددهم؛ حيث يتجلى ذلك في التقاعس عن مكافحة الجريمة ليتسنى سفك المزيد من دماء أبناء مجتمعنا، وفي حرمان الشباب من قسائم السكن والبناء، ما يضطرهم إلى تأخير سن الزواج لسنوات طويلة، وبالتالي تراجع معدلات الإنجاب.

|| حين تصبح ورقة الاقتراع متراساً أخيراً في معركة الوجود، يغدو التصويت فعلاً من أفعال الصمود؛ فإما أن نحجز مقاعدنا بأيدينا، أو يُقرَّر مصيرنا في غيابنا ||

إن التمعن في واقع الحال بعين مبصرة يوصلنا إلى المعادلة الحتمية التي تفرض علينا السعي لتعزيز هذا الرباط من جهة، والبحث عن الأدوات الفاعلة لترسيخه من جهة أخرى.

من هذا المنطلق، يقع على عاتقنا كمجتمع أن نبحث عن الكيفية التي نمكّن بها ثباتنا الذي هو عنوان وجودنا، وعن الوسائل المتاحة لتثبيت هذا الرباط، واضعين في الحسبان الواقع المعاش وتجاربنا السابقة الساعية لتغييره.

فالواقع الذي نعيشه اليوم أضحى أشد وطأة من ذي قبل؛ إذ تتصاعد نبرات العنصرية والكراهية يوماً بعد يوم بين مكونات المجتمع في إسرائيل، وتتجه بحدة أكبر صوب مجتمعنا العربي. وبالنظر إلى تجاربنا السابقة الرامية إلى كسر هذا الطوق عبر الانخراط في انتخابات الكنيست، نجد أن نسب المشاركة السابقة لم تكن ترقى إلى خطورة هذا الواقع الكارثي، ولا لعظم المسؤولية التي يقتضيها حماية صمودنا الذي هو جوهر وجودنا وبقائنا.

وعليه، فإن المأزق التاريخي الذي نمر به اليوم - بكل أبعاده ومخاطره - يحتم علينا الخروج جميعاً يوم الثلاثاء للتصويت، لكي يرتقي وزننا وتمثيلنا إلى مستوى التحديات المصيرية؛ فالقعود والتخاذل لهما أثمان باهظة، والمشاركة في الانتخابات رباط وثبات.