«أيُّ مدخلٍ سالك اليوم في رهط؟».. قد يتحوّل هذا السؤال، في المستقبل القريب، إلى حقيقة نتبادلها بمرارة، ونفتح لها مجموعات على تطبيق «واتس أب»، بعدما بدأت المكعبات الإسمنتية، في الآونة الأخيرة، تظهر عند مداخل بلداتنا في النقب تحت شعار «مكافحة الجريمة».. فقد جرى استغلال القلق الحقيقي والمتراكم بشأن الأمن الشخصي في مجتمعنا لتمرير سياسات وإجراءات أمنية قد تتجاوز هدفها المعلن، وتمسّ حياة الناس وحريتهم في الحركة، بحيث يصبح الوصول إلى بلدتك أو الخروج منها أمرًا مرتبطًا بحاجز أو مدخل مفتوح وآخر مغلق.

لكن دعونا لا نخدع أنفسنا... هذه المكعبات لم تكن مجرد إجراء أمني عابر. لقد بدت، في كثير من الأحيان، وكأنها اختبار لنبض الشارع: كيف سنتفاعل؟ كم سنحتج؟ ومتى سنعتاد على فكرة أن يكون مدخل بلدتنا أو حارتنا خاضعًا لإجراء أمني استثنائي؟

ولعل ما يؤكد العبثية والافتقار للسند القانوني في هذا النهج هو التدخل القضائي الأخير؛ ففي الأول من سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت المحكمة العليا أمرًا مشروطًا في الالتماس الذي قدمته جمعية حقوق المواطن ضد سياسة الشرطة المتمثلة في وضع حواجز إسمنتية لفترات طويلة في الأحياء وعند مداخل البلدات العربية. وألزمت المحكمة الشرطة بتوضيح سبب عدم امتناعها عن وضع حواجز طرق صلبة وغير مأهولة من دون تخويل تشريعي صريح يجيز لها ذلك، وحددت يوم الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 موعدًا لتقديم ردها.

هذا الاختبار الميداني، أو "فحص النبض"، لا يقتصر على الحواجز الشرطية فحسب، بل يتجاوزه إلى ممارسات المستوطنين التي تتكامل مع سياسات التضييق. فقد شهدنا مؤخرًا محاولة مستوطنين سرقة قطيع من الغنم لمواطن من العرب البدو في قرية عتير، في خطوة واضحة لجس النبض واستفزاز الأهالي. والأدهى من ذلك ما حدث قبل أشهر في بئر هداج، حيث أقدم مستوطنون على إضرام النار في ممتلكات تابعة لهم، في محاولة خبيثة لإلصاق التهمة بجيرانهم من القرية المجاورة. ولولا كاميرات الأهل التي وثقت فعلتهم، لكانوا استطاعوا تلفيق تهم باطلة تبرر حملات تحريض وتهجير من المكان.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية... لأن ما يبدو اليوم مؤقتًا قد يتحول غدًا إلى أمر واقع، خصوصًا إذا نجح اليمين المتطرف في العودة إلى الحكم، وإذا استمرت لغة التحريض والعنصرية في توفير الغطاء السياسي لمزيد من التضييق على مجتمعنا. فالجريمة تُلاحق، لا تُعاقب عليها الجغرافيا.

الـ«برومو» لما بعد الانتخابات

ما رأيناه مؤخرًا بوصفه إجراءً «استثنائيًا ومؤقتًا» يمكن أن يكون، إذا لم ننتبه، العرض التشويقي لما بعد الانتخابات. نحن أول من يطالب بمكافحة الجريمة واستعادة الأمن الشخصي. نريد شرطة تحمي الناس، وتلاحق المجرمين، وتفرض القانون على الجميع. لكننا نرفض أن يتحول شعار «مكافحة الجريمة» إلى بوابة لإغلاق البلدات وتقييد حركة السكان والتعامل مع مجتمع بأكمله باعتباره ملفًا أمنيًا.

انظروا إلى الضفة الغربية. هناك بدأت الحواجز والإغلاقات في سياقات أمنية مختلفة، لكنها تحولت مع الزمن إلى منظومة تتحكم في حركة الناس بين المدن والقرى والمداخل. وأصبح السؤال اليومي: هل الطريق مفتوح؟ هل الحاجز قائم؟ هل المدخل سالك؟

والسؤال الذي يجب أن نطرحه في النقب قبل فوات الأوان هو: هل نريد أن تصبح «المدخل سالك» العبارة التي تحدد حياتنا نحن أيضًا؟ في رهط واللقية وتل السبع وعرعرة النقب وترابين الصانع، وفي القرى الممتدة على طول شارع 31 و25 و40، لا ينبغي أن يتحول الوصول إلى البيت أو الخروج منه مسألة أمنية.

وإذا استمر هذا النهج، فلن يطول الوقت قبل أن تتحوّل الإجراءات التي يُقال إنها مؤقتة إلى أمر واقع دائم في النقب، فنجد أنفسنا أمام واقع يُعاد فيه إنتاج قيود الحركة والتنقل، إلى حدّ أن يصبح خروجك من قريتك أو بلدتك مشروطًا بتصريح أو بموافقة مسبقة؛ في مشهد يعيد إلى الأذهان، بكل ما يحمله من مرارة، أيام الحكم العسكري، حين لم تكن حرية التنقل حقًا بديهيًا، بل امتيازًا تحكمه التصاريح والقيود.

والمشكلة أن الأمر قد لا يتوقف عند النقب. ما يبدأ هنا تحت عنوان «مكافحة الجريمة» يمكن أن يجد طريقه لاحقًا إلى الحارات العربية في المدن المختلطة، ثم إلى المثلث والجليل. وهكذا، وبهدوء، يمكن أن نصل إلى نموذج يعيد إنتاج منطق الحكم العسكري بأسماء جديدة: مزيد من المراقبة، مزيد من الحواجز، مزيد من السيطرة على الحركة، وكل ذلك تحت العنوان ذاته: الأمن وفرض النظام والحوكمة.

منظومة تسترخص دماءنا وتهدم بيوتنا

الخطر ليس فقط في عودة شخص مثل إيتمار بن غفير، وإنما في عودة المنظومة التي يمثلها. منظومة تجعل التحريض وقودًا انتخابيًا، وتحوّل القوة إلى أداة أولى، وتتعامل مع هدم البيوت في المجتمع العربي بوصفه استعراضًا للسيادة والردع.

الأرقام الرسمية التي عُرضت أمام الكنيست تظهر ارتفاعًا كبيرًا في عمليات الهدم وأوامر الهدم خلال السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2025 سُجلت 5,742 عملية هدم وأمر هدم، فيما تشير تقديرات 2026، وفق وتيرة النصف الأول من العام، إلى نحو 5,690 عملية. كما قال بن غفير مؤخرًا إنه سيواصل هدم المباني في المجتمع العربي-البدوي في الجنوب.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: المشكلة ليست في رقم يردده وزير، بل في الاتجاه السياسي الذي تعكسه هذه الأرقام. فالوزير نفسه أعلن في يوليو الماضي أن «من يبني بيتًا بشكل غير قانوني، سأهدمه»، بينما عرضت بيانات رسمية أمام الكنيست ارتفاعًا ملحوظًا في عمليات الإنفاذ والهدم في النقب. إنها منظومة ترى في الهدم أداة لإظهار «الحوكمة»، وفي القوة وسيلة لفرض «السيادة». وهذا تحديدًا ما يجب أن يقلقنا.

 

«هل نريد مواطنًا يدخل مدينته ويخرج منها بحرية، أم مواطنًا يسأل كل صباح: «أي مدخل سالك اليوم؟» هل نريد شرطة تحمي المجتمع العربي، أم منظومة أمنية تتعامل معه بوصفه منطقة يجب السيطرة عليها؟ هل نريد مواجهة الجريمة، أم استخدام الجريمة ذريعة لمزيد من التضييق والهدم والقوة؟»

 

ترابين الصانع.. عندما يتحول الأمن إلى رصاصة

في ترابين الصانع، لم يكن الحديث عن مكعبات إسمنتية فقط. في الرابع من يناير/كانون الثاني 2026، قُتل محمد حسين ترابين، البالغ 35 عامًا، برصاص الشرطة خلال اقتحام للقرية. وقالت الشرطة في حينه إن إطلاق النار جاء خلال نشاط لتوقيف مشتبهين، بينما أثارت الواقعة غضبًا واسعًا في النقب والمجتمع العربي.

والأهم اليوم أن القضية لم تعد عند حدود الروايات المتضاربة. ففي أغسطس/آب 2026، أعلنت وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة «ماحاش» نيتها تقديم الشرطي الذي أطلق النار على ترابين إلى المحاكمة، بشبهة التسبب بالوفاة نتيجة الإهمال، وذلك بعد جلسة الاستماع.

محمد حسين ترابين ترك وراءه أسرة وأطفالًا. ولهذا لا يمكن اختزال القضية في «حادث أمني». عندما يترافق خطاب التحريض مع اقتحامات وقوة مفرطة، ثم يسقط مواطن برصاص الشرطة، فإن المجتمع من حقه أن يسأل: أي أمن نريد؟ ومن يحمي المواطن من القوة عندما تتجاوز حدودها؟

فالكلمات التحريضية التي تُكتب على الشاشات لا تبقى دائمًا في العالم الافتراضي. أحيانًا تتحول إلى مناخ، والمناخ يمكن أن يتحول إلى سلوك، والسلوك يمكن أن ينتهي برصاصة.

يوم 27 أكتوبر: الصندوق أم الحاجز؟

وهنا نصل إلى يوم الانتخابات. 27 أكتوبر 2026 هو الموعد الحالي للانتخابات للكنيست الـ26. وفي ظل هذا المناخ المشحون، فإن تحويل يوم الانتخابات إلى مناسبة للابتعاد عن صناديق الاقتراع، واستبدال المشاركة السياسية بـ«بيكنيك» أو نزهة شواء في أم خشرم، ليس أمرًا يمكن التعامل معه باستخفاف.

دعونا نكون واضحين: يوم الانتخابات ليس يوم عطلة للهروب من الواقع. إنه اليوم الذي نملك فيه، ولو ليوم واحد، أداة سياسية مباشرة للتأثير في شكل الحكومة المقبلة وفي السياسات التي ستُتخذ تجاهنا. قد يختلف الناس حول الأحزاب والمرشحين والمواقف، وقد تكون هناك احتجاجات مشروعة على النظام السياسي برمته، لكن الانسحاب الجماعي من صناديق الاقتراع لا يفرغ الغضب من مضمونه فقط؛ بل قد يترك الساحة لمن سيصوتون بكثافة.

إذا انسحبنا نحن من مراكز الاقتراع، فلن ينسحب الآخرون. سيصوتون. وستُحتسب أصواتهم. وإذا تشكلت حكومة أكثر تطرفًا، فإنها ستتخذ قراراتها نيابة عنا، وقد تكون تلك القرارات متعلقة بمداخل بلداتنا، وبيوتنا، وقرانا، وحرياتنا، ومستقبل أبنائنا.

المعركة على شكل حياتنا

المعركة في 27 أكتوبر ليست مجرد تنافس على مقاعد في الكنيست، ولا مجرد نسبة حسم. إنها، بالنسبة لنا، معركة على شكل الحياة التي نريد أن نعيشها.

هل نريد مواطنًا يدخل مدينته ويخرج منها بحرية، أم مواطنًا يسأل كل صباح: «أي مدخل سالك اليوم؟» هل نريد شرطة تحمي المجتمع العربي، أم منظومة أمنية تتعامل معه بوصفه منطقة يجب السيطرة عليها؟ هل نريد مواجهة الجريمة، أم استخدام الجريمة ذريعة لمزيد من التضييق والهدم والقوة؟

ولا نريد أن نستيقظ بعد الانتخابات لنكتشف أن ما كان مكعبًا إسمنتيًا أصبح بوابة، وأن ما كان إجراءً مؤقتًا أصبح سياسة، وأن ما كان «استثناءً» أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. ولا نريد أن تعود منظومة بن غفير من الباب الواسع، ولا أن تعود أفكارها من الباب الخلفي. لأن الخطر الحقيقي ليس في اسم شخص واحد. الخطر في أن تصبح أفكاره وسياساته أمرًا طبيعيًا.

أن يصبح الهدم إنجازًا. والتحريض سياسة. والحاجز حلًا. والمواطن العربي هدفًا أمنيًا دائمًا.

لذلك، فإن التحذير من «بيكنيك» أم خشرم في يوم الانتخابات ليس تحذيرًا من نزهة أو شواء بحد ذاته. إنه تحذير من تحويل يوم يفترض أن نستخدم فيه صوتنا إلى يوم نغيب فيه عن صناديق الاقتراع، بينما يكون أصحاب خطاب العنصرية والتحريض أكثر حرصًا على الحضور.

فمواجهة العنصرية لا تكون بالانسحاب. والتحريض لا يُهزم بالصمت. ومن يريد تغيير الواقع لا يترك أدوات التغيير لمن يريد تكريس الواقع نفسه.

صوتك في 27 أكتوبر ليس مجرد ورقة في صندوق. إنه رسالة إلى من سيحكم: لن نقبل أن تتحول قرانا إلى مناطق أمنية. لن نقبل أن تصبح المكعبات الإسمنتية حواجز دائمة. لن نقبل أن يصبح «مكافحة الجريمة» عنوانًا لمعاقبة الجغرافيا. ولن نقبل أن يتحول النقب إلى نسخة جديدة من واقع الحواجز.

لأن السؤال الذي بدأ كنكتة مرّة: «أي مدخل سالك اليوم في رهط؟»، قد يتحول، إذا صمتنا واعتدنا وتراجعنا، إلى السؤال اليومي الذي يحدد أين نذهب، ومتى نعود، وكيف نعيش.

لا تنتظروا حتى يصبح المكعب الإسمنتي جدارًا. ولا تنتظروا حتى يصبح الحاجز أمرًا واقعًا. ولا تنتظروا حتى يصبح التحريض سياسة دولة. اخرجوا إلى صناديق الاقتراع.

فربما تكون أقصر مسافة بين صوتك اليوم وبين منع الحاجز غدًا هي المسافة إلى صندوق الاقتراع.

الكاتب رئيس تحرير موقع «يوم البادية» في الجنوب