
في 7 أغسطس/آب 2026، وقعت المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية على "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، وهو حدث أحدث مفارقة سياسية لافتة في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. فبينما وصفت إيران الاتفاق بأنه "لا مدعاة للقلق"، معتبرة أن أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة هي تطور إيجابي، رأت إسرائيل فيه خسارة استراتيجية ومؤشراً على تحول قد يعيد تشكيل موازين القوى.
يكشف هذا التباين الحاد أن أهمية "اتفاق مكة" تتجاوز بنوده العسكرية، لتعكس تحولاً أوسع في كيفية إعادة قوى المنطقة تعريف أمنها وتحالفاتها. وفي خضم هذا المشهد، يبرز السؤال الأهم: لماذا احتاجت ثلاث دول ترتبط جميعها بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة إلى إنشاء إطار دفاعي جديد في هذا التوقيت؟
يستعرض هذا التقرير جردة شاملة للمواقف والتحليلات من باكستان وتركيا والسعودية وإسرائيل وإيران ومصر حول هذا الاتفاق التاريخي.

جردة مواقف: قلق إسرائيلي وتفاؤل إيراني حذر
أولاً: إيران.. الترحيب المشروط
رغم التاريخ المعقد من التنافس الإقليمي، جاء الرد الإيراني الرسمي منضبطاً وتفاؤلياً بحذر. صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في 10 أغسطس/آب، أنه "لا يوجد ما يدعو طهران للقلق من 'اتفاقية مكة للدفاع المشترك'". وشدد على أن إيران لا تعتبر الاتفاق موجهًا ضدها، مستندة إلى الروابط الدينية والتاريخية العميقة التي تجمعها بالدول الثلاث.
القراءة الإيرانية الأوسع ترى في الاتفاق خطوة إيجابية نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة عن التدخلات الخارجية، وخاصة الأمريكية. وأشار بقائي إلى أن الاتفاق يعكس قناعة دول المنطقة بعدم جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة في توفير الأمن، محذراً في الوقت ذاته من "العدو الصهيوني وحلفائه".
ومع ذلك، لم يخلُ المشهد الإيراني من انتقادات داخلية. فقد اعتبر إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، أن الاتفاق لن يجلب الأمن للسعودية. بينما قلل المحلل السياسي عبد الرضا داوري من شأن المخاطر التي يشكلها الاتفاق الجديد على طهران في سعيها لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، مؤكداً قدرة إيران المثبتة على مواجهة قوى عظمى.

ثانياً: إسرائيل.. خسارة استراتيجية وتراجع أمريكي
على النقيض تماماً، قوبل "اتفاق مكة" بقلق واسع في إسرائيل، رغم عدم صدور موقف رسمي شامل. وقد أفردت الصحافة ومراكز الأبحاث الإسرائيلية تحليلات موسعة تعتبر الاتفاق تحولاً أمنياً بارزاً منذ اندلاع الحرب مع إيران.
وتتركز القراءة الإسرائيلية حول تأثير الاتفاق على موقع إسرائيل في ترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل مسار التطبيع مع السعودية. وحذر د. يوئيل غوجانسكي، رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ، من أنّ الاتفاق "ليس تطوراً مثالياً لإسرائيل"، معتبراً انضمام السعودية إليه سعيًا لتوسيع خياراتها الأمنية في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمريكية، لافتًا في مقال له في "يسرائيل هيوم" إلى أنّه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن تعزيز أمن المملكة العربية السعودية ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا. فإسرائيل والرياض تتقاسمان مصلحة مشتركة في استقرار الخليج، وحرية الملاحة، وإضعاف الحوثيين، والحد من قدرة إيران على زعزعة النظام الإقليمي؛ لكن السؤال المركزي هو إلى أي مدى تركيا وباكستان مستعدتان للقتال من أجل السعودية. وليس من الواضح ما إذا كانتا مستعدتين للدخول في مواجهة عسكرية كبيرة إلى جانب السعودية ضد الحوثيين أو ضد إيران".
صحيفة "يديعوت أحرونوت" وصفت الاتفاق بأنه "خسارة كبيرة لإسرائيل والولايات المتحدة"، معتبرة أنه يُظهر خيبة أمل دول الخليج من واشنطن وفشلها في نزع سلاح إيران. بينما رأت صحيفة "هآرتس" أن الاتفاق قد يعيد تشكيل المنطقة وفقاً لرغبات الدول الثلاث. ويكمن القلق الإسرائيلي الإضافي في التقارب السعودي مع تركيا وباكستان، اللتين تتبنيان مواقف حادة تجاه إسرائيل، مما قد يؤثر على مواقف الرياض مستقبلاً.
ماذا تكسب الدول الثلاث؟.. "تكامل عناصر القوة"
لا يُنظر إلى "اتفاق مكة" بوصفه مجرد تحالف، وإنما محاولة للجمع بين ثلاث أنواع مختلفة من عناصر القوة، بحيث يعوض كل طرف ما ينقص الطرفين الآخرين:

وقد وصف محللون سياسة تركيا في هذا السياق بمفهوم "التحوط الاستراتيجي"، حيث تسعى أنقرة لتوسيع نفوذها وبناء شراكات دفاعية مع السعودية وباكستان، مما يمنحها دوراً أكبر في رسم التوازنات الأمنية الإقليمية.
البعد النووي: ردع إضافي أم مظلة خفية؟
تمنح باكستان الاتفاق بعداً مختلفاً كلياً بكونها الدولة الوحيدة بين أطرافه التي تمتلك سلاحاً نووياً. هذا العامل يمنح التحالف وزناً ردعياً إضافياً، حتى وإن لم يتضمن الاتفاق نصاً معلناً يتعلق بالردع النووي أو المظلة النووية المشتركة.
وقد أكد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) أن باكستان تبقى إحدى الدول التسع المالكة للسلاح النووي عالمياً. ومع ذلك، يشير مركز بيلفر للأبحاث إلى أنه لا توجد أدلة على أن الاتفاق أنشأ تلقائياً مظلة نووية للدول الثلاث، وهو تمييز بالغ الأهمية في قراءة الاتفاق بصورة دقيقة.
مصر.. المرشح القادم أم الحفاظ على المسافة الآمنة؟
برز اسم مصر كأبرز الدول المرشحة للانضمام للتحالف الثلاثي، حيث أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن القاهرة مرشحة للانضمام مستقبلاً بعد استكمال ترتيبات فنية. ومع ذلك، تطرح أسئلة عديدة حول أسباب الغياب المصري عن هذا التحالف في الوقت الحالي.
يأتي ذلك بعد أيام من موقف مصري بدا أكثر بعداً عن الانضمام إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة، والذي جاء بمبادرة سعودية. وقال مصدر مسؤول لـ"عرب بوست" إنّ الموقف المصري له عدة أبعاد:
- الحفاظ على مسافة آمنة :تسعى القاهرة لتجنب الانزلاق إلى صراعات قد تزيد المشهد تعقيداً في الشرق الأوسط، مما يمكنها من القيام بدور الوسيط.
- التوازن الاستراتيجي: الحفاظ على مسافة توازن تمنع تحول الصراع الآني بين إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية شاملة.
ومع ذلك، لم يغلق المصدر الباب نهائيًّا أمام انضمام مصر للتحالف الثلاثي، مشيراً إلى أن "التحالف مرحب به كونه لا يضم أطراف تهدف إلى تصعيد الأوضاع في المنطقة".

إردوغان: مفتوحة أمام الدول الشقيقة
من جانبه، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ردًّا على أسئلة "الشرق الأوسط" الصادرة في لندن، عقب توقيعه مع ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مكة المكرمة الأسبوع الماضي، أنّ "من الخطأ اختزال (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي" للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أنه "لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري؛ ذلك أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعدها الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي".
ولفت إلى أن الاتفاقية "جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة"، ومشدداً على أنها "لا تستهدف أي دولة من الدول"، بل هي "مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها".
التوقيت: الحرب مع إيران.. العامل المسرع وليس السبب الوحيد
تشير الوقائع إلى أن "اتفاق مكة" لم يولد بسبب الحرب الأمريكية على إيران، لكنه اكتسب أهميته الاستراتيجية بسببها. فقد كشف وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، في يناير 2026 (أي قبل الحرب)، أن مشروع الاتفاق كان قيد التفاوض منذ نحو 10 أشهر.
لكن الحرب غيّرت البيئة التي كانت تُناقش فيها تلك المفاوضات. فقد أظهرت المواجهة أنّ أي صدام واسع بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل يمكن أن يمتد سريعاً إلى الخليج، ويهدد منشآت الطاقة وخطوط الملاحة والاقتصادات الإقليمية.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن سنان أولجين، الدبلوماسي التركي السابق، أن الاتفاق "هو استجابة لهذين العاملين المزعزعين للاستقرار (إسرائيل وإيران)، لأن الدول الثلاث تنظر إلى عدم استقرار المنطقة بشكل عام من منظور مماثل".