المونديال الأكبر ينطلق وسط هوس أمني ومشاركة عربية قياسية
١٠ يونيو ٢٠٢٦
ساعات قليلة تفصل الجماهير العالمية عن انطلاق صافرة البداية لمونديال 2026، والمقرر لها تمام الساعة العاشرة من مساء يوم غد الخميس بتوقيت القدس، حيث يقص منتخبا المكسيك وجنوب أفريقيا شريط البطولة على ملعب "أستيكا" التاريخي. إلا أن الأجواء الحماسية والترقب الرياضي الجارف تداخلا بشكل صارخ مع هوس أمني وسياسي غير مسبوق فرضته السلطات في دول الاستضافة، وخاصة الولايات المتحدة.
صدمة في المطار: حرمان حكم صومالي من دخول أمريكا
فجرت الأجهزة الأمنية الأمريكية أزمة دولية وعاصفة من الانتقادات قبل ساعات من التدشين، بعد قيام سلطات الهجرة في مطار ميامي الدولي بمنع الحكم الصومالي الدولي، عمر عبد القادر أرتان، من دخول البلاد وترحيله فوراً إلى إسطنبول، رغم حيازته تأشيرة دخول رسمية وجواز سفر دبلوماسي. وكان أرتان، المصنف كأفضل حكم في أفريقيا لعام 2025، يستعد لدخول التاريخ كأول حكم صومالي يدير مباريات في كأس العالم.
وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة "نيويورك تايمز"، عبر أرتان عن انكسار حلمه قائلاً: "أنا مجرد حكم يحاول عيش أكبر حلم في حياته، وأعتقد أن لديهم مشكلة مع بلدي". من جانبها، بررت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية الإجراء بوجود "مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني"، في خطوة ربطها مراقبون بقوائم حظر السفر المشددة التي تفرضها إدارة ترامب الحالية على رعايا بعض الدول ومن بينها الصومال. وبما أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يعتمد مركزاً موحداً لتدريب الحكام في فلوريدا، فقد أعلن رسمياً استبعاد أرتان من القائمة النهائية لتعذر مشاركته.
استنفار ضد "الدرونز" الرخيصة وتحديات التنظيم
وفي سياق متصل، يعيش المربع الأمني المشترك بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا حالة طوارئ قصوى لم تشهدها البطولات الرياضية من قبل. وتتركز المخاوف الأساسية لواشنطن حول تهديدات "الطائرات المسيرة الرخيصة" (الدرونز)، والتي باتت تعتبرها الأجهزة الاستخباراتية التحدي الأكبر لسلامة الملاعب المفتوحة والمشجعين. وتم نشر منظومات دفاع وتشويش إلكتروني متطورة للغاية في محيط الملاعب الستة عشر، مع فرض حظر جوي مطلق يمتد لعدة كيلومترات فوق الملاعب قبل وخلال المباريات، للسيطرة على أي خرق أو انفلات داخلي محتمل.
على الجانب الآخر من الحدود، شهدت العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي احتجاجات حاشدة، حيث قطع آلاف المتظاهرين المنتمين لمجموعة منشقة عن نقابة المعلمين شارعاً حيوياً يؤدي إلى ملعب "أستيكا"، ضمن إضراب بدأ الأسبوع الماضي للمطالبة بزيادة الأجور وإصلاحات في أنظمة التقاعد؛ وهي تظاهرات وصفتها الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم بأنها "استفزازية".
أزمات سياسية تلاحق طهران
الأجواء المشحونة لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ ألقيت تداعيات الحرب الأمريكية على إيران بظلالها على البطولة، حيث يواجه المنتخب الإيراني تضييقات مشددة بعد منعه من الإقامة في الفنادق الأمريكية بأمر من إدارة ترامب، مما أجبر البعثة على اتخاذ المكسيك مقراً لإقامتها والاضطرار للسفر والعودة في نفس يوم المباراة بشروط دخول مقيدة، فضلاً عن رفض منح تأشيرات لأربعة عشر فرداً من الطاقم الفني الإيراني.
ملحمة عربية قياسية: ثمانية منتخبات وعالم يترقب
رغم كل هذه التعقيدات الأمنية والسياسية، تتجه الأنظار صوب المستطيل الأخضر ترقباً لنسخة تاريخية تسجل مشاركة عربية قياسية، حيث تحمل ثمانية منتخبات أحلام الملايين من المحيط إلى الخليج. ويبرز منتخب الأردن في هذه النسخة بظهوره الأول التاريخي في نهائيات كأس العالم، فيما تسجل منتخبات السعودية، المغرب، وتونس مشاركتها السابعة. أما الجزائر ومصر فتخوضان غمار البطولة للمرة الخامسة، بينما يشارك كل من العراق وقطر للمرة الثانية في تاريخهما.
انقلاب في بيولوجيا المشجع العربي: شغف يكسر صمت الليل
ولن يكون المونديال مجرد مباريات، بل سيحدث تغييراً كاملاً في العادات اليومية للمشجع العربي بسبب فارق التوقيت الكبير مع قارة أمريكا الشمالية. سيجد المشجعون أنفسهم يضبطون منبهاتهم في الثالثة فجراً، ليس للحاق بعمل أو طائرة، بل للوقوف خلف منتخبات بلادهم والأدرينالين في أعلى مستوياته والناس من حولهم نيام.
من مغارب الأرض في الرباط، تونس، والجزائر، إلى قلب نابض في القاهرة تفتح حواريها ومقاهيها على أحر من الجمر، وصولاً إلى المشرق في عمان، الرياض، الدوحة، وبغداد؛ تتحول المجالس والدواوين إلى غرف عمليات كروية في أوقات غير مألوفة.
في الكواليس، ستشهد أروقة العمل موظفين يتهربون بنظراتهم نحو شاشات الهواتف الذكية من تحت المكاتب، ومقاهٍ ممتلئة عن آخرها بوجوه متعبة من السهر لكنها مشحونة بشغف لا يوصف. الأصدقاء يوقظون بعضهم بعضاً برسائل الواتساب لتحليل اللقطات، في وقت تكون فيه الشوارع هادئة تماماً، قبل أن تكسر صمت الليل صرخة هدف عربي عابر للقارات يكسر هدوء الفجر.
هذا الجنون، وهذا السهر، هو بالضبط ما يجعل للانتصار طعماً استثنائياً لا يمكن لبلد مستضيف أو مشجع مرتاح أن يتذوقه. فكل التوفيق لمنتخباتنا العربية في هذه الملحمة المونديالية التاريخية.