حتى نلتقي - اعتراف
بقلم: يوسف أبو جعفر (أبوالطيّب) | 25.4.2026
ليس عيبًا أن نعترف بالتقصير أو الخطأ؛ العيب أن نهرب من الحقيقة إرضاءً لرغبات بعضنا أو لحاجةٍ في نفس يعقوب.
من البديهي أن افتتاحية كهذه مني قد توحي للبعض بأن هناك اعترافات خطيرة على المحك، وللأمانة فالموضوع أكبر من كونه اعترافًا شخصيًا؛ إنما هو اعترافٌ مجتمعي كامل حول ما يدور حولنا من قضايا، نرى فيها الخطأ ونحاول إيجاد أعذارٍ جديدة، أو نستنسخ الأعذار السابقة فقط لنستمر.
أولًا وقبل كل شيء، العاقل من ينظر في داخله قبل الخارج. افحص بيتك قبل رمي الناس بالحجارة. صدقوني، بيوتنا كلها من زجاجٍ ضعيف يكاد ينهار مع الريح دون الحاجة إلى حجارةٍ من أحد. فالمجتمع كله يئن تحت قضايا مصيرية، وفي كل مدينة وحيٍّ قصةٌ أخرى لا تختلف عن سابقتها إلا بأسماء الأبطال، والنتيجة واحدة: لا جديد تحت الشمس.
في مدننا وقرانا العربية، تزايد الضعف وغاب القانون، فانتهكت حرمة المدن والقرى، فلم يعد هناك صالحٌ عام، بل الصالح الخاص، وخاصّ الخاص إن أردنا تتبّع الحقيقة. لا نريد أن نقف في وجه المخطئ لنقول له كلمة الحق، ونؤثر عليها كلماتٍ منمّقة نحاول من خلالها ألا نجرح شعور الظالم والمنتهك لحقوق الناس.
أكثر ما يؤلم أن كثيرًا منا عاجز عن الخروج من إطار النمطية في التفكير؛ يجترّ مسائل الماضي ليثبت الحاضر ويلغي المستقبل، فقط لعجزه هو ولمصلحته، لا لمصلحة المجتمع.
ومن أمثلة هذا العجز الذي أبقى التربية والتعليم في مكانهما: لا تقدّم، بل وربما تأخرٌ وتقهقر. فالعالم يمضي ونحن نقف. كل الزيادات والنجاحات العلمية فردية الجهد، لا مركزية فيها ولا خطط؛ فقط محاولات لا ترقى إلى مستوى مجتمعٍ يريد الخلاص من الفقر والعنف، مجتمعٍ يسعى نحو حياةٍ كريمة لا تنتهكها قبيلة أو هبيلة.
الاعتراف هنا يعني بداية الطريق، وأننا مقبلون على العلاج، حتى لا نتوهّم أننا بخير ونحن في حالة مرضٍ حقيقي على كل المستويات. على كل قارئ أن ينظر حوله؛ ففي الغالب يعرف أسباب كل مشكلةٍ وقضية في مجتمعنا، لكنه يأبى ملاحقتها للعلاج. نحن أقرب إلى المريض الذي اعتاد الشكوى ويخشى أن يعود إلى العافية لأنه نسي كيف تكون.
لست متشائمًا، ولكني بصراحة أشاهد التلوّن يوميًا دون رتوش، دون مساحيق، دون خداعٍ للنفس. يمكنني أن أضع أمام القارئ مئات القضايا، من حياة الفرد إلى حياة المجتمع، نعيش فيها التناقضات ولا نريد الاعتراف.
وحتى نلتقي، نحن أشبه بمن يرى الذئب ويتتبع أثره؛ نعرف الحقيقة ونجمّلها فقط لكي نغوص في الرمال المتحركة أكثر. والعاقل يعلم يقينًا أنه في مرحلةٍ ما ستبتلع الرمال المتحركة ما فيها، ليس لأنها تبتلع الأشياء، بل لأن ما فيها كثيرُ الحركة نحو الأسفل، ولا يجتهد للإنقاذ سوى بالصراخ.