على أنقاض "أم الحيران": رقصٌ على أوجاعنا.. وجذورٌ تعاند الجرافات
تقرير وتوثيق: رائد أبوالقيعان
على ضوء أمل العودة الذي لم ينطفئ، حزمتُ حنيني وعدتُ لأطأ ثرى مسقط الرأس؛ قرية "أم الحيران" التي اقتُلعنا وهُجّرنا منها قسرًا تحت وطأة الجرافات بتاريخ 13/11/2024. لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل كانت جولةً مثقلة بين التذكّر والتفكّر، وقوفًا على أطلال جغرافية وتاريخية تحاول آلة الهدم محوها، لكنها تأبى إلا أن تروي حكايتنا.
🔸أطلال تهمس بالذكريات🔸
بين ركام القرية، رحنا نستعيد تراثاً مسلوباً ونستحضر معالم طُبعت في الوجدان؛ آبار القرية، وأوديتها التي ما زالت تحفظ صدى أصواتنا وخطواتنا. تأملنا المكان، فاسترجعنا تفاصيل حياة كاملة كانت تنبض هنا: قطعان الأغنام، نسيم الربيع، رائحة الحليب واللبن الطازج، مواسم الزيتون والصبر، وطقوس الزراعة البسيطة في "المقثاة" التي كانت أعمق تعبير عن ارتباطنا الجذري والأبدي بهذه الأرض.
ورغم انعدام أبسط الخدمات ومقومات الحياة الأساسية في حينها، إلا أن تلك الأوقات – بأيامها، وأسابيعها، وفصولها، وعقودها - كانت هي الأجمل والأكثر دفئاً وطمأنينة.
🔸المفارقة الموجعة: غابة اصطناعية ورقصٌ على الجراح🔸
وقفنا على مشارف القرية، وتحديدًا فوق أرضية الملعب الترابية التي طالما ضجت بحياة أطفالنا. لقد تحول المكان اليوم إلى ما يشبه الغابة الموحشة؛ وكأن الحفريات المتراكمة وعوامل الزمن قد تآمرت في محاولة بائسة لتغطية آثارنا ودفن هويتنا، لكنها فشلت في محو الذاكرة.
أما في الجهة الأخرى، فكان المشهد مغايرًا، قاسيًا، ومستفزًا لكل معاني الإنسانية:
رقصٌ وضحكات: هناك، يقف أولئك الذين اشتروا "قسائم الأرض" ليبنوا بيوتهم الجديدة فوق أنقاض بيوتنا، يرقصون، يضحكون، ويفرحون على حساب مأساتنا وتشريدنا.
ضجيج الاقتلاع: وفي المقابل، لم تتوقف الآليات الثقيلة عن العمل والهدير، تمضي بلا هوادة في تجريف الأرض لإنشاء الجزء الثاني من البلدة الاستيطانية الجديدة "حيران" (درور).
🔸أرضٌ ترفض الاستسلام🔸
رغم قسوة المشهد وتغريبة التهجير، تقف أرض "أم الحيران" الثرية لتلقننا درساً مذهلاً في الصمود وسرّ التجدد. فمن بين الركام، وتحت جنازير الآليات، تبرز شتلات البندورة الخضراء، وتشمخ أشجار الزيتون والنخيل والتين كنماذج حيّة وعنيدة ترفض الاستسلام. هذه الأرض، تماماً كأهلها، حتى بعد أن تُقتلع من جذورها، تعود لتنبض بالحياة، تشق الصخر، وتنمو من جديد.
🔸خاتمة المُهجّر🔸
هنا "أم الحيران".. حيث يقف الزمن شاهداً على جريمة الاقتلاع. وبين ذاكرةٍ حية لا تموت، وواقعٍ مرير يُفرض بقوة الجرافات، يبقى إيماننا ويقيننا راسخاً: الأمل بالعودة باقٍ وحيٌّ لا يندثر.
🔸الكاتب من مُهجّري قرية أم الحيران في النقب