سلسلة كفى للعنف.. معلم بلا يد

كتب: كايد أبو لطيّف | 7.2.2026

الأرض نفسها تنزف وكأن السماء قد أغلقت عينيها خجلا، يقف المجتمع العربي من وادي أم العقارب وحوض وادي العجرم وهرابة أم عكبر في بئر السبع وحتى وادي العامود العلوي قرب صفد في الجليل الأعلى في حافة تطل على الجحيم. تمزق موجات العنف والجريمة النسيج الاجتماعي كشفرة تقطع الحرير. من شعفاط، حيث تدنس قداسة المدرسة، إلى عرعرة النقب، حيث يصبح الليل مسرحا لرصاصات طائشة، إلى باقة الغربية، حيث يغتال قائد تربوي، وصولا إلى اللد والمقيبلة، حيث تهدد عبوة ناسفة براءة الأطفال، هي ليست وقائع متفرقة، إنما سيمفونية مروعة من الخراب تعزف على أوتار مجتمع يكاد يفقد روحه. في قلب هذا السواد، حيث العنف لم يعد استثناء، ينبض سؤال هل سنغرق في هذا الجحيم، أم سننتزع من أحشائه أمل الخلاص؟

في حي شعفاط بالقدس، تحطمت قداسة المدرسة كزجاج هش تحت ضربة غادرة. أب، كان يفترض أن يكون حاميا لقيم التربية، اقتحم هذا المعبد المقدس بسكين لامع، ليس ليحاور أو يناقش، بل ليقطع يد معلم، كأنه يقطع خيطا من كرامة المجتمع. المعلم، ذلك النبي الصغير الذي يحمل مشعل المعرفة، يصبح فريسة والمدرسة، التي كانت يوما منارة للأمل تتحول إلى مسرح للرعب والعبث. شعفاط لحظة انكسار وصرخة تعلن أن المجتمع بدأ يأكل أحشاءه عندما يصبح المعلم هدفا، فإن المجتمع يطعن في قلبه.

في عرعرة النقب حيث الصحراء تحتضن أحلاما مكسورة، يتحول الليل إلى كابوس لا ينتهي. رصاصات تمزق سكون القرية وجدران تصاب وقلوب ترتجف. كما يروي الأهالي الذين يعيشون أسابيع تحت وطأة إطلاق النار، بات النوم رفاهية والأمان حلما بعيدا. تحولت عرعرة النقب الى حالة تهميش ممنهج وبطالة تغذي اليأس فقر يولد الجريمة، وغياب أمني يحيل القرية إلى ساحة للصراع. الاعتداءات العنيفة التي حدثت قرب المدرسة تبرز الفوضى والعنف الذي يهدد الأمن والاستقرار في المجتمع. هذه الأحداث تلقي بظلالها على البيئة التعليمية وتزيد من القلق والخوف بين الأهالي، الذين يعيشون تحت وطأة الخوف وعدم اليقين.

في باقة الغربية، لم تطعن التربية فحسب، نحرت رمزيتها على قارعة الطريق. ففي جريمة مروعة تحول رجل أفنى حياته في سبيل بناء الإنسان إلى ضحية في مشهد يقطع نياط القلب ويخلخل المعنى. زياد أبو مخ مدير مدرسة وأب تربوي لأجيال، يقتل بانفجار دموي أمام أعين المدينة التي طالما حلم أن يرفعها، فتتهاوى القيم كما تناثرت شظايا السيارة. لم يكن زياد ضحية خلاف عائلي عابر، إنه شهيد القدوة والرسالة. اغتياله ليس مأساة شخصية بل انهيار أخلاقي مدو. لقد سقط الرمز وسقط معه الحصن الأخير من كرامة المعلم وهيبة المدرسة من أمل الإصلاح. ما حدث في باقة الغربية هو إعلان فاضح لواقع لم يعد فيه الحلم محميا ولا القائد مهابا. مدينة كاملة ترتجف على وقع جريمة تقول بلا مواربة لا أحد في مأمن.

في زمن تسفك فيه الأرواح بخفة وتقتل فيه الكلمات قبل أن تنطق، يصبح مقتل مدير مدرسة حدثا يتجاوز الدم والتراب. إنه جرح في ضمير مجتمع دعوة للاستيقاظ من سبات طويل، تذكير مر بأننا نخسر الإنسان لا فقط حين يقتل ونصمت.

وفي اللد والمقيبلة قرب العفولة، حيث يفترض أن تكون رياض الأطفال ملاذا للضحكات والبراءة يعثر الأطفال على عبوة ناسفة، كأنها رسالة من الجحيم حتى أطفالنا لم يعودوا آمنين. هذه العبوة رمز لتغلغل الجريمة المنظمة في أحشاء المجتمع، وتهديد يحيل الحياة إلى رهان يومي على البقاء. تخيل رعب الأم التي تودع طفلها إلى الروضة وهي تعلم أن قنبلة قد تنهي براءته. إنها لحظة تجسد الرعب، وحتى فضاءات الطفولة أصبحت ساحات للخوف.

من بئر السبع، حيث يقتل طفل في نزاع، إلى حيفا، حيث تتظاهر الأمهات ضد الجريمة، يرسم العنف خريطة دموية تغطي المجتمع العربي. إحصائيات تدمي القلب، 1500 قتيل منذ العام 2000 حتى 2020، وعشرات الضحايا سنويا في السنوات الأخيرة. معدل الجريمة بين العرب يفوق نظيره بين اليهود بأضعاف، والبطالة بين الشباب العربي 30% من الذكور بين 16 و25 عاما عاطلون، تحيل الشباب إلى وقود للجريمة. هذه الأرقام جروح في جسد مجتمع يعاني من تمييز وتهميش اقتصادي وغياب أمني.

العنف ليس قدرا إنه نتاج تراكمات، ومنظمات إجرام تجد في الفراغ الأمني ملاذا، ومجتمع يترك ليقاتل نفسه. كأن الدولة تقول للعرب أنتم خارج الحكاية، دبروا أمركم. والنتيجة؟ أحياء تتحول إلى ساحات صراع وأطفال يكبرون على صوت الرصاص بدل أناشيد الطفولة.

انظر من حولك، حيث المدرسة معبد لا يمس والمعلم بطل ثقافي يحترم كالطبيب أو القاضي. انظر حولك حيث التعليم ركيزة التقدم والعنف في المدارس أمر لا يتصور. انظر حولك، حيث الجريمة تواجه بحزم يعيد الهيبة للقانون. في هذه المجتمعات، التعليم ليس رفاهية، انه استثمار في المستقبل والمعلم ليس هدفا وإنما قدوة. أما نحن؟ في شعفاط، يطعن المعلم. وفي باقة يقتل المدير. وفي الشمال يهدد رياض الأطفال بالقنابل. الفرق ليس في الموارد إنه في الإرادة التي تقدس المعرفة وتحمي المؤسسات وتضع الإنسان فوق كل اعتبار.

لكن دعونا ننظر إلى تجارب أخرى، حيث بدأ المجتمع رحلة التعافي عبر التعليم وإعادة بناء الثقة. أو إلى المجتمعات التي واجهت حرب العصابات بإصلاحات أمنية واستثمارات في الشباب. هذه المجتمعات رغم التحديات اختارت طريق الخلاص. أما نحن؟ لا نزال نراوح في دوامة الصمت والتبرير كأننا ننتظر معجزة بينما الدم يغرق شوارعنا.

في أحشاء هذا السواد، حيث العنف يصبح لغة والخوف رفيقا، يولد أمل خافت ليس أملا ساذجا يزين السماء بألوان قوس قزح ومشبع بالألم ومولد من إدراك عميق، الدمار لن يصلح نفسه. الحل ليس في الانتظار إنما في الشباب الذين يرفضون السلاح والقادة الذين يعيدون نسج خيوط الثقة.

تخيل تحالفا يعيد للمدرسة قداستها ويحمي المعلم كما يحمى البطل، ويعيد للطفل أمانه. تخيل قوانين حديدية تعاقب المجرمين بحزم يعيد الهيبة للقانون، واستثمارات في التعليم والعمل تعطي الشباب أملا بدل اليأس. تخيل حملات ثقافية تحيي قيم الحوار والاحترام وتعيد للأب دوره كمرب لا كثأر. هذا الأمل ليس وهما، إنه مشروع يبدأ من إرادة جماعية من صرخة تدوي في أحشاء الجحيم، كفى.

يقف المجتمع العربي على مفترق مصيري. إما أن نغرق في دوامة العنف حيث تصبح شعفاط وعرعرة النقب وباقة الغربية محطات في رحلة نحو الهاوية وحيث تصبح العبوة الناسفة في رياض الأطفال رمزا لمستقبل أسود. وإما أن نختار طريق الخلاص طريقا يتطلب شجاعة لمواجهة الحقيقة، العنف ليس قدرا إنه نتاج إهمال وتهميش وصمت يتطلب إرادة لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الكرامة لإحياء الأمل.

يد المعلم المبتورة في شعفاط، رصاصات عرعرة النقب، دم مدير المدرسة في باقة الغربية، عبوة الرعب في اللد هذه دعوات للاستيقاظ، ومرايا تظهر ما أصبحنا عليه، وتنذر بما قد نصير إليه. لكن في قلب هذا الجحيم، هناك ضوء خافت، بذرة خلاص تنتظر يدا تمتد لتنقذها. إن لم نمسك بها الآن، فقد نصبح مجتمع بلا وقلب وغد. لكن إن فعلنا فقد نعيد بناء أنفسنا كأبطال ينتزعون النور من أحشاء الظلام.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة2007 ، يرجى ارسال رسالة: editor@yomalbadya.com - واتس-آب 972549653332

للحصول على الأخبار أونلاين تابع قناة يوم البادية على الواتساب WhatsApp