حتى نلتقي.. قارئة الفنجان
بقلم: يوسف أبو جعفر (أبو الطيّب) | 6.2.2026
داعبتُ فنجان الإسبريسو الذي قدّمه لي النادل. كان كبير الحجم؛ من المفروض أن يكون هذا الحجم للكابتشينو. ربما أراد أن يعوّضني عن وقت الانتظار، وربما رآني متعبًا. أفكار كثيرة دارت في رأسي، والقهوة تتحرّك يَمنةً ويَسرة في الكوب الرخامي. القهوة، كلما حرّكتها، تترك آثارًا على جدران الكوب، تتناغم ألوان وأمواج القهوة على الجدار الأبيض، تاركةً لوحةً فنيةً جميلة.
ما الذي حدا بنزار قباني أن يكتب «قارئة الفنجان»؟ لقد تركها دون تفسير. العشّاق يتحدّثون عنها وعن جمال اللغة والوصف، والمغنّون يحاولون دومًا إظهار جمال اللحن والمقامات. أمّا القلّة التي رافقت الشاعر فتعلَم أنّه نادرًا ما يصرّح بأسراره. هكذا وجدت القصيدة طريقها نحو تفسير المقصود وغير المقصود؛ فمن يدّعي أنّ الكاتب رأى في فلسطين وقضيّتها كلّ القصيدة، حيث لم يستطع البوح بحبّه لفلسطين، وبأنّ السياسة ستقتلها وتُبقيها أسيرة كما أراد.
هذه الشطحات كلّها مرّت في رأسي، ومثلها الكثير حول قراءة الفنجان في الثقافة العربية والشرقية، محاولة استقراء الغيب من خلال القهوة. لماذا بالذات القهوة؟ ألأنّها مشروب له بصمة خاصّة؟ أم لأنّ القهوة شرقية المذاق بمرارتها الجميلة، فقسوة الحياة جعلت من المرارة طعمًا مرغوبًا؟ لا أدري. كلّ ما في الأمر أنّنا نريد استقراء الغيب الشخصي؛ يهمّنا، يؤلمنا الخوف الشديد من الغد، فلم يترك لنا دربًا لنسلكه دون الاستعانة بجميع الوسائل والوسائط للبحث عنه، فكانت القهوة الأداة الشعبية.
ثمّ لماذا نبحث عن الغد؟ ماذا يقلقنا أو يستعجلنا؟ الإجابة ربّما من البساطة أو التعقيد، في نظري، تعود لحالتنا ويأس الفرد من واقع لا يرى تحرّكًا يدلّ على الاتّجاه. فالعاشق يقرأ الفنجان ليعلم حقيقة المعشوق الذي لا يستطيع الكلام معه، والأم تبحث عن الغائب الذي انقطعت أخباره، وعن زوج البنت الذي لم يحضر حتى اليوم، والرجل ينظر في فنجانه لكي يدبّر أمور الرزق العالقة في مفهومه. هكذا دواليك، يحاول كلّ منّا قراءة الفنجان.
ثمّ جاء العصر التكنولوجي فوضع أكواب البورسلان بعيدًا، وأحضر الكرتون، وأغلق الباب على طقوسنا القديمة، لتتلقّفنا الأجهزة بقارئة الفنجان الحديثة، من تكهّنات نوستراداموس حتى ليلى عبد الحميد. كلّهم يقرأون الفنجان بمحاولة استقراء الخوف الجماعي وقضايا العالم، ولكن بفارق ليس بكبير. هنا لا تقرأ ليلى فنجان أحد، بل حكومات العالم. تجلس ليلى على فناجين كبار الدول في ليلة واحدة، وتخرج علينا بقراءة ينتظرها الغلابة من البشر.
هذا الهوس باستقراء أو قراءة أو تنجيم الغد يغلب عليه في هذه الأيام الهوس المجنون. لا أحد يستنبط من الأحداث أملًا، ولا أحد يقرأ من الصباح إلى المساء. ربّما الخوف يسيطر على عقولنا، فتولّت الأمر سيّدة الاستقراء، ليلى، لتضحك على العقول بكلمات مبهمة وتمتمة كهنة العرب قديمًا. قارئة الفنجان العصرية لم يعد يهمّها عودة الغائب وزواج البنت ولا أبواب الرزق فقط، بل عالم السياسة، والغالبية العظمى تنتظر، ليس إيمانًا، بل يأسًا وحرقة من الواقع المؤلم.
وحتى نلتقي، لم يعلم نزار قباني أنّ ليلى ستجيب عن أسئلته بغباء يتلقّفه اليائسون، ولن تجيب أبدًا عن فلسطين ولا عن العاشق الحزين، بل ستغرقه في مستنقع الهوس باللا شيء. ولن تستطيع قارئة الفنجان الإجابة عن مصائبنا الكثيرة. نعم، نستطيع أن نستَلِذّ بشرب القهوة في صباح فيه أمل بأنّ الغد بيد الله، فلنخلُص نحن ولا نقلق؛ غدًا ناظره قريب.