كفى للعنف | من تصحر نيجيريا إلى فوضى النقب: كيف يصنع المناخ بيئة خصبة للجريمة؟
كتب: كايد أبولطيّف | 14.1.2026
على أطراف مدينة ماكوردي في ولاية بينو النيجيرية، يقف "إيشوا"، مخيمٌ بات رمزًا لمأساة مركبة، اجتمعت يد الإنسان مع غضب الطبيعة لاقتلاع آلاف العائلات من أراضيها. لم يُهجَّر الناس بفعل حرب نظامية، بل بفعل حرب صامتة تشنّها التغيرات المناخية، إذ أصبح الجفاف المتزايد والتصحر المتسارع دافعًا لصراعات عنيفة بين المزارعين والرعاة، مما حوّل مناطق زراعية مزدهرة إلى ساحة اقتتالٍ دامٍ، يُحرَق فيها المحصول قبل أن يُحصد، ويُقتل الفلاح قبل أن يروي زرعه.
هذه الصورة القاتمة ليست مأساة أفريقية بعيدة، بل هي مرآة تعكس واقعًا متشابهًا في قلب صحراء النقب، يتقاطع الجفاف المستمر والتهميش الاقتصادي والصراعات على الأرض مع تصاعد معدلات الجريمة المنظمة، لتُشكِّل حلقة مغلقة من العنف والفقر والحرمان، تُهدِّد سكان المنطقة بنفس المصير، اللجوء داخل أوطانهم.
كما هو الحال في نيجيريا، حيث تآكلت أراضي المزارعين بفعل الجفاف وفقد الرعاة مراعِيهم، يواجه سكان النقب واقعًا مشابهًا. لعقود يعيش المجتمع البدوي على الرعي، متكيف مع طبيعة الصحراء، لكن مع ازدياد الجفاف وانكماش المساحات القابلة للاستغلال الزراعي، اختفت القدرة على العيش من الأرض، وتراجعت سبل الرزق، واتسعت الفجوة الاقتصادية.
عندما يصبح الفقر مبررًا للجريمة؟ تمامًا كما أدى فقدان الأراضي في نيجيريا إلى صراعات دامية بين المزارعين والرعاة، يشهد النقب صدامات متزايدة حول ملكية الأرض وحق البقاء. في ظل شح الموارد وانعدام البدائل، أصبح التنافس على الأرض مشحونًا بالعنف، وتحوّلت الأراضي غير المُعترف بها إلى ساحات نزاع بين السكان والدولة، مما أسفر عن هدم متكرر للمنازل، واحتجاجات غاضبة. إضافةً إلى ذلك، فإن البطالة والتهميش دفع بعض الفئات إلى البحث عن مصادر دخل غير مشروعة، بدءًا من تهريب الأسلحة والمخدرات، وصولًا إلى الجريمة المنظمة التي باتت تستقطب الشباب في غياب أي أفق اقتصادي آخر.
كيف يصبح غياب الدولة حاضنةً للفوضى؟ في تقريرٍ للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصف أحد المزارعين المهجّرين في نيجيريا كيف أن "الدولة غائبة إلا عندما يتعلق الأمر بهدم منازلنا أو فرض الضرائب، لكنها لا تكون هناك لحمايتنا عندما تهاجمنا الجماعات المسلحة". هذا الشعور بعدم الحماية، عندما يترافق مع الفقر، يخلق بيئةً خصبةً لانتشار العنف المنظم.
في النقب، يتشابه المشهد بشكل مخيف، غياب التخطيط الحضري ونقص الاستثمارات وضعف البنية التحتية، وندرة الخدمات الأساسية، كلها عوامل جعلت العديد من القرى والتجمعات تعاني من فراغ إداري وأمني. في ظل هذا الفراغ، تصاعدت النزاعات العائلية، وتوسعت شبكات الجريمة المنظمة، مما حول بعض المناطق إلى جيوب خارجة عن السيطرة.
في النقب يجب أن يكون الحل اقتصاديًا وتنمويًا قبل أن يكون أمنيًا. يجب دعم مشاريع مثل الزراعة الصحراوية المستدامة، وتحفيز الابتكار في مجال الطاقة المتجددة، وخلق فرص عمل للشباب عبر خطط تنموية حقيقية.
ليست هذه القصة مقارنة بين نيجيريا والنقب فحسب، بل هي تحذير. إذا لم تُعالج جذور الأزمة، فإن الناس سيجدون أنفسهم لاجئين داخل أوطانهم، لا بفعل الحروب التقليدية، بل بفعل تجاهل السياسات الاقتصادية والمناخية العادلة. إذا لم تُغيَّر هذه المسارات اليوم، مستقبل النقب قد لا يختلف عن واقع بينو، تُصبح الأرض التي كانت يومًا مصدر رزقٍ واستقرار إلى ساحةً للصراع والجريمة واللجوء القسري داخل الحدود.